الشيخ محمد آصف المحسني

55

بحوث في علم الرجال

ثمّ إنّ الكشّي ( وهو أقدم رجالي وصل إلينا كتابه ) بيّن حال بعض الرّواة مسندا وليست أسانيده متواترة فمن أين ينشأ احتمال التواتر ، بل القلب يطمئن بعدم التواتر في كثير من التّوثيقات . وثالثا : إنّ تطبيق الكبرى ليست من الحدسي الّذي لا يثبت بخبر الواحد ، بل هو قريب من الحسّ واضح السبيل يثبت بخبر الواحد ، كما مرّ ، وبالجملة تصديق الثّقة أمر ظاهر ارتكازي للعقلاء معدود عندهم من الحسيات في الاعتبار . ولو كان مطلق الحدسي - وإن كان ضعيفا - مانعا عن معاملة الحسّي معه لكان التواتر أيضا حدسيّا لاحتياجه إلى قياس خفى ، كما قرّر في المنطق ، فلاحظ . ورابعا : إنّ إثبات تواتر نقل ، بدعوى بناء العقلاء على معاملة الحسي مع الخبر المردّد بين كونه حسّيا أو حدسيّا مقطوع الفساد عند العرف ، بل ولعلّه لم يخطر ببال أحد من العقلاء سوى هذا السّيد الجليل المتصدّي لحجيّة أقوال علماء الرجال . « 1 » نعم هنا شيء آخر يمكن به الفرق بين التّوثيق المرسل والرّواية المرسلة ، فيقال بحجيّة الأوّل دون الثّاني . وحاصل هذا الوجه : أنّ نقل الرّواية من الضّعيف ممكن ولا مانع منه . وأمّا نقل التّوثيق عن الضعيف فغير صحيح ، ولا ينبغي صدوره عن الفضلاء ، فضلا عن الأكابر ؛ وذلك فإنّ الغرض الوحيد من التّوثيق هو إثبات وثاقة الرّاوي وعدم كذبه في قوله ونقله ، حتّى تصبح رواياته عند العلماء والمجتهدين الذين هم غير عالمين بحاله حجّة ، وعليه فيكون توثيق الرّاوي بنقل ضعيف نقض للغرض ، فإنّ كلّ عاقل يفهم أنّ وثاقة مجهول لا تثبت بتوثيق كاذب ، أو مجهول مثله . ولا ينبغي لأحد أنّ ينسب هذا الاحتمال إلى أمثال هؤلاء الأكابر مثل الشّيخ وأمثاله من أقطاب العلوم الشّرعيّة . فإذا حكم الشّيخ - مثلا - بوثاقة أحد ، لا بدّ من إحرازه وثاقة جميع نقلة الوثاقة .

--> ( 1 ) . وقريب منه ما أفاده بعض السّادة الأجلاء حين مذاكراتي معه أيضا في النجف الأشرف في بيته بعد تلك المذاكرة بعدّة سنوات ، بيد أنّ الجليل المذكور عبّر بالواضح دون المتواتر - والمراد : السّيد السعيد الشّهيد المفكّر الإسلامي الكبير . السّيد باقر الصدر رحمه اللّه حشره اللّه مع أجداده ، [ استشهد اليه بعد الطبعة الأولى من هذا الكتاب ] - . فإنّ أراد السّيد الشّهيد رحمه اللّه من الوضوح ، التواتر ، ففيه ما مرّ ، وإن أراد بالوضوح ما هو معلول القرائن ، فهو حدسي ، وإن أراد به الاطمئنان الحاصل من كثرة الطرق ، ففيه أنّه يختلف من أحد إلى آخر .